مقدمة:
لقي علم الزراعة اهتماماً خاصاً عند علماء وأهل الأندلس لإيمانهم القوي بأن الإنتاج الزراعي الوفير لا يمكن إحرازه دون إدخال الأساليب العلمية في الزراعة. ولذا فقد وضع العلماء العرب أمثال: ابن بصال وابن الحجاج الإشبيلي وابن مالك الغرناطي وابن العوام وغيرهم العديد من الكتب والموسوعات والتصانيف الزراعية، دَونوا فيها الكثير من المعرفة والخبرة في العلوم الزراعية، وعندما اتبعت الأساليب العلمية في الزراعة في عصر الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس أصبحت الأمة تنتج ما تحتاجه من الغذاء بل ويزيد.
وحيث أن العلماء والمختصين العرب أسهموا مساهمة فعالة في تطوير الصناعات الغذائية في الأندلس، ونظرا لحاجتنا الماسة في الوقت الحاضر لمعرفة ما توصلوا إليه للاستفادة منه وللاستناد عليه في استنباط الطرائق والوسائل الفعالة للصناعات الغذائية من خلال الدراسات والأبحاث العلمية التي تجري في مؤسسات البحث العلمي في وطننا العربي.
2ـ هدف البحث:
يهدف البحث إلى إلقاء الضوء على تطور العلوم العربية في مجال الصناعات الغذائية في الأندلس. وإبراز أهمية مؤلفات الفلاحة العربية الأندلسية للاستفادة من التجارب العلمية التي حواها التراث الزراعي العربي الأندلسي وتحقيقها بشكل علمي وتوظيفها في الوقت الحاضر.
3ـ المؤلفات الزراعية العربية في الأندلس:
قام العرب بإدخال زراعة الكثير من المحاصيل الزراعية إلى الأندلس مثل: الزيتون والأرز والقطن وقصب السكر والنخيل والرمان والنارنج والمشمش والخوخ والكروم والبرتقال والخشخاش والشوندر وغيرها.
وإن ما فعله العرب في الميدان الزراعي قد تخلد إلى الأبد لأنه خلف آثاراً لا تمحى في لغة الأسبان وغيرها من اللغات الأوربية، وإن الكثير من المحاصيل الزراعية لا تزال تحمل الأسماء العربية نفسها في هذه اللغات مع شيء لا يخفى من التحريف والتصحيف.
لقد استطاع العرب أن يحولوا الأندلس إلى جنة خضراء. فلم يتركوا شبراً واحداً دون أن يزرعوه مستخدمين لذلك ما يعرف اليوم بوسائل الهندسة الزراعية، وبطرق علمية في الري، واستعمال جيد لأنواع الأسمدة لزيادة إنتاجية الأرض، وأنتجوا أنواع جديدة من الفواكه والأزهار، ومارسوا الدورة الزراعية بدقة فائقة، ووضعوا تقويماً ودستوراً زراعياً خاصاً سمي "التقويم القرطبي"، وأبدعوا في طرق تطعيم النباتات، وغيرها من العمليات الزراعية المختلفة.
وقد حظيت العلوم الزراعية بعناية فائقة من قبل علماء الزراعة في الأندلس حتى بلغت في هذا المجال حداً من الكمال لم تبلغه في أماكن أخرى، فأقيمت البساتين والحدائق التي كان يشرف عليها هؤلاء العلماء فكانت بمثابة مختبرات فيها تجرى تجاربهم، وكان العرب يستعينون بأحدث ما ألف من الكتب في العلوم الزراعية، وبفضل توجههم بلغت الزراعة في الأندلس من التقدم أكثر مما بلغته في أوربا، بل إن أوربا اقتبست الأسس العلمية للتجارب الزراعية التي توصل إليها العرب في الأندلس. وما زالت العديد من المشاريع الزراعية الضخمة شاخصة آثارها إلى يومنا هذا، تلك الآثار التي أنشأها العرب في مختلف بقاع الأندلس.
واهتم العلماء العرب في الأندلس وخاصة خلال ازدهار الحضارة العربية الإسلامية اهتماماً كبيراً بالصناعات الزراعية والغذائية وألفت العديد من المؤلفات، وكتب الكثير من المخطوطات التي تتعلق بالزراعة والغذاء وصناعة الطعام وفوائده الصحية. وقد حقق عدد من هذه الكتب والمخطوطات إلا أن الكثير منها لم يحقق ولم ينشر حتى الآن بدراسة علمية منهجية. ومن أهم هذه المؤلفات نذكر:
ـ كتاب الفلاحة لابن بصال الطليطلي (القرن الخامس الهجري).
ـ كتاب المقنع في الفلاحة لابن الحجاج الإشبيلي (القرن الخامس الهجري).
ـ كتاب زهرة البستان ونزهة الأذهان لمحمد بن مالك الغرناطي (القرن الخامس الهجري).
ـ كتاب الفلاحة الأندلسية لابن العوام الإشبيلي (القرن السادس الهجري).
4ـ بعض الصناعات الغذائية في الأندلس:
كان للتطور الحضاري في الأندلس الأثر البارز في نمو الصناعات الغذائية وتنوعها فضلاً عن استخداماتها المختلفة. الأمر الذي يعني أن العرب في الأندلس كانت لهم الخبرة التجريبية الواسعة في هذا المجال.
وقد تناول علماء الزراعة في الأندلس الصناعات الغذائية وطرق عملها وأساليب اتخاذها والأدوات والآلات التي تستعمل في هذه الصناعات.
أ ـ صناعة الزيتون وزيته:
عمل العرب على إدخال زراعة الزيتون إلى الأندلس مع بداية الفتوحات العربية الإسلامية. وانتشرت أشجار الزيتون بكثرة على مساحات واسعة. واليوم تتنافس أسبانية على صدارة إنتاج الزيتون واستخراج زيته في العالم.
وقد تناول العلماء العرب الزيتون في مؤلفاتهم وتحدثوا عن استخدامه بصناعات غذائية كثيرة، إذ تناول ابن الحجاج الإشبيلي عدة طرق لصناعة زيتون الطعام في كتابه المقنع في الفلاحة منها قوله:" خذ زيتوناً طيباً من زيتون قد قطف بالأيدي فرضه بالعود وضعه في إناء وصب عليه ماء حاراً وملحاً جريشاً وغط الإناء بورق البسباس (ورق جوزة الطيب، وهو ورق أشقر حاد الرائحة حريف عطري) أياماً، ثم انثر عليه كموناً وملحاً ".
كما يخصص ابن الحجاج فقرة للحديث عن طريقة مميزة لإصلاح حبات الزيتون للأكل خلال ستة أيام فقط.
أما في مجال استخراج الزيت من حبات الزيتون فيقول ابن الحجاج:" اِجنه قبل شدة البرد إذا بلغت السواد ـ فيكون أكثر لزيتها وأحسن لدمنتها. وذلك في يوم مصح ـ اجتناء رقيقاً باليد لا بالعصا. ولا تلقط منها إلا ما يعمل يوماً بيوم، فإنه أجود لزيته. دنقِ ورقه وعيدانه، ولا تجعل بعضه على بعض فيفسد، بل أبسطه. إذا كان بالعشي فضع على ما لقطت منه ملحاً نقياً، ثم اطحنه من الغد طحناً لا تكسر من عجمه شيئاً.
ومن الناس من يبني بعضه على بعض بغصون الصفصاف، ويلف عليه حبلاً ثم يكسبه باليد فيخرج الزيت النقي الصافي فيرفع في وعاء نظيف. وينبغي أن يلقي عليه شيء من ملح مدقوق، ويحرك به فإنه يرقه ويصفيه، ثم بعد ذلك يرفع في إناء آخر، وهذا على ما كان، وهو المعروف بزيت الانفاق.
ثم تطحن الثاني طحناً شديداً ويعصر فيخرج زيت أغلظ من الأول، ثم اطحنه الثالثة وألق عليه ماء حاراً، وارفعه ثلاثين يوماً في إناء، ثم انقله إلى إناء آخر فإنك تخرج زيتاً صافياً أجود من زيت العامة ".
ويذكر ابن حجاج طرقاً خاصة لتصفية الزيت المعكر أي حفظ وسلامة زيت الزيتون ومنع فساده وتلفه فيقول:" وكل دهن يغلى بالنار ويطرح فيه ملح مقلو يسلم بذلك من المضاضة (الحموضة والملوحة) وإن جعلت قبضة كمون في خرقة ودليتها في الزيت الذي قد فسد ثلاثة أيام طاب لذلك. أو خذ كزبرة رطبة فيبسها في الظل ثم اجعلها في قلة المنتن ستة أيام فإن نتنه يذهب".
ويتناول ابن مالك الغرناطي في كتابه زهرة البستان صناعة أنواع مختلفة لزيتون الطعام، وهي:
ـ عمل الزيتون المصري.
ـ عمل الزيتون المكسر.
ـ عمل الزيتون المتمر.
ـ عمل زيتون الماء.
ويذكر ابن مالك الغرناطي طريقة خاصة في عمل زيت الزيتون الذي سماه "زيت النقطة" فيقول:" هذا الجنس من أجناس الزيت إذا أخذ من الزيتون الطيب المتناهي الطيب، يأتي حسن القوام، ولا يخرج بماء ولا نار، فمن أحب اتخاذ هذا الزيت، فيأخذ الزيتون الطيب القريب العهد ..".
كما تناول الغرناطي أوقات عمل الزيت وأفضلها، واختيار أواني الزيت، وما يصلح الزيت إذا فسد، وغير ذلك من الأمور.
أما ابن العوام فقد تحدث عن صناعة زيتون الطعام أيضاً فقال:" تخير من حب الزيتون الأخضر الغض أغلظه حباً وأصغره نوى وذلك في شهر أكتوبر، ويجنى من شجرته برفق لئلا يحدث فيه تهشيم ثم يغسل بالماء العذب ويكسر على لوح نظيف أو عود كذلك، وكلما كسر منه جعل في الماء العذب، ويغسل بعد الفراغ منه من ذلك ويجعل في خابية استعملت في زيت طيب، ويصب عليه ماء يغمره من الماء العذب، ويترك أياماً، ثم يراق ذلك الماء ويصب عليه ماء آخر، يكرر ذلك مرات ومن أحب استعجاله أكله إلا أنه لا تطول مدة بقائه فيكرر قصراته بالماء مرات حتى يحلى الزيتون وتزول عنه المرارة والعنوصة، ومن أحب أن تطول مدة بقائه فيقلل قصارته بالماء، وإن حب أن يحلى في مدة يسيرة فيقصره أولاً بماء ساخن وبعد القصارة بالماء بغمره به، ويجعل فيه من الملح مثل نصف عشر كيلة، وذلك جزء من ملح على عشرين جزء من زيتون".
ب ـ صناعة الألبان:
عرف العرب القيمة الغذائية الكامنة في الحليب ومشتقاته فاستخدموه لا في تغذية الأطفال والمرضى والشيوخ وحدهم بل في تغذية الأصحاء كذلك حتى أصبح الحليب ومشتقاته من أهم المصادر الغذائية التي اعتمد عليها الإنسان العربي.
ولقد تنافس العلماء العرب في الاستزادة من ذكره طازجاً أو متخمراً وفي تناول منتجاته رغبة في الاستفادة من مزايا هذا الغذاء الطبيعي الكامل. وكانت نتيجة هذا التنافس تطور شامل في طرق تربية مواشي الحليب واهتمام بالغ بإجراء عمليات الانتخاب لإيجاد سلالات التي تشتهر بكثرة إدرارها اللبن مع ارتقاء وسائل حفظ الحليب وصناعة منتجاته.
تناول ابن سيده في كتابه المخصص مراحل صناعة الحليب ومشتقاته وذكر مسميات كل نوع من الناحية اللغوية.
أما في مجال صناعة الجبن فقد خصص ابن مالك الغرناطي فصلاً كاملاً في كتابه عن ذلك جاء فيه:" الجبن يختلف بقدر المسارح (المواضع)، وجودة العمل، ورداءته، والأجود منه ما عمل في أول شهر ابريل إلى آخر شهر مايه، وما عمل بعد ذلك لا خير فيه، وأجود ما امتثل به، أن تكون أواني العقيد حسنة جداً، نظافاً تتعاهد بالغسل، والأنافح ( المنفحة: المعدة الرابعة في الحيوانات المجترة، وتستخدم في تخثير اللبن، أو هي مستحضر من بطانة معدة بعض الحيوانات، وتحتوي على مادة الرناز المسببة للتجبن) المتخذة من الجدي، أو الخروف، التي لم تخرج إلى المسارح، ولا أكلت نبتاً، ..".
كما يخصص ابن مالك الغرناطي فصلاً آخر في أشياء يعقد بها اللبن إذا عدمت الإنفحة.
ويتحدث ابن مالك الغرناطي بإسهاب كبير في فصل آخر عن كيفية صناعة الزُبد والسمن وإصلاح ما فسد منها، ويذكر أن صناعة الزُبد تتم على طريقتين: الأولى بوساطة القرب، والثانية بوساطة الخوابي. فيقول:" .. فالزبد يخرج من اللبن بالمخَض (مَخْض: تمخيض: هزُ الكثأة طويلاً لتجتمع الكريات السمينة أو الزبدية وتنفصل عن المخيض)، وهو على ضربين فمن الناس من يخضه بالقرب (مازالت هذه الطريقة مستخدمة في بعض الأرياف)، فإنه تملأ به القرب وتترك ثلاثة أيام حتى تريبَ (التريب: تغليظ القوام بتبخيره أو بتجريده من بعض السائل) ويعلوه الزبد، ثم تُخَض القربَ حتى يتعقد فيها الزبد ويظهر، .. والمخض في الخوابي أكثر إفادة، وأقل مؤنة..".
ويتناول ابن مالك الغرناطي كيفية صناعة السمن فيقول:" وأما السمن فيؤخذ الزبد ويطبخ، ويصفى في الأواني التي يراد رفعها فيها، ويستوثق من أفواهها، فإذا كان الزبد طرياً، أتى السمن حسن القوام، جيد الطعم ..".
ت ـ صناعة الخل والمخللات:
يخصص ابن مالك الغرناطي فصلاً كاملاً في صنعة خل العنب، وقد نقل ابن العوام هذا الفصل إلى كتابه الفلاحة الأندلسية، فيقول ابن مالك:" الخل الطيب الحسن الطعم، لا يتفق بوجه إلا من العنب الحلو الشديد الحلاوة، وسائر أنواع العنب يتفق منها خل حاذق، غير أنه يأتي طعمه مائلاً إلى العفوصة والحروشة. وأما خل العنب الطيب، فيأتي حسن الحموضة حسن الرائحة والطعم واللون، فمن أراد على هذه الصفة نثر العنب من عرجونه (العرجُون: أصل العذق الذي يعوج ويُقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً)، وصيره حباً، ورمى به في الخوابي، ويرزم فيها باليد، ويتفقد بعد خمسة عشر يوماً أو عشرين يوماً، ثم يخرج ويصفى من عَجَمِهِ، (عجمة: نواة القسم الداخلي من الثمرة صَلُبَ وقسا وحوى البزرة)، ويدرس حبه، ثم يؤخذ ما سال منه ويجعل في الخابية، ..".
كما تناول ابن مالك الغرناطي طرقاً عديدة لتخليل بعض المحاصيل الزراعية منها: الزيتون واللفت والباذنجان والجزر، وأشار إلى أفضل الصفات المطلوبة لذلك.
أما ابن الحجاج الإشبيلي فنراه يذكر طريقة خاصة في صنعة الخل لا يكون أحمض منه، ويتطرق إلى صناعة الخل من الخمر، وكذلك طريقة حفظ الخل من الفساد والتلف فيقول:" خذ عنباً بعناقيده واجعله في خابية مقيرة قدر ثلثها، ثم املأها ماء عذباً وطين رأسها واطلعها في كل شهر مرة لتعرف حالها، .. وإن أردت أن تصنع من الخمر خلاً فخذ أصول السلق وقطعه صغاراً وألقه في الخمر، واتركه ثلاثة أيام، فإنه يصير خلاً، .. ومما يحفظ الخل فلا يفسد ولا ينتن: أن تأخذ ورق الكرم فتعلقه في الخابية التي فيها الخل، ولا يصيب الورق الخل، فإن رائحته تطيب ".
ويشرح ابن الحجاج طريقة جديدة لاكتساب الخل رائحة زكية طيبة فيقول:" وإن أخذت حب الآس النضيج المنقى من الورق ووضعته في الظل حتى يضمر ويصير كالزبيب، ثم تلقيه في الخل، طابت رائحته جداً ".
كما يتحدث ابن الحجاج عن طريقة صناعة الزيتون المخلل بقوله:" ألقط الزيتون واغسله ونشفه، وخذ إناء فألق فيه كفاً من ملح مقلو، وألق الزيتون فوقه، وألق عليه خلاً وملحاً وطين عليه". ويذكر ابن الحجاج طريقة خاصة لعمل زيتون بخل وعسل ذو رائحة طيبة وطعم لذيذ.
ث ـ صناعة الخبز والمعجنات:
تطرق العلماء العرب في الأندلس إلى طرق عديدة في صنعة الخبز والمعجنات المختلفة، وأشاروا بأن مما يعين على جودة الخبز في نضجه وفي الاغتذاء به أن يدلك طحين الدقيق وقت عجنه بالراحتين دلكاً كثيراً متتابعاً، ثم يعرك مع يسير من الماء عركاً كثيراً ويسقى بالماء قليلاً قليلاً حتى إذا تم عجنه فتلقى عليه الخميرة مقطعة قطعاً صغاراً، ثم يستأنف العجان دلكه وعركه وجودة خلطه، ويبتدىء بعجنه كأنه ما كان عجنه، فلا يزال يديم عجنه ويقلبه مراراً حتى يجود اختلاطه جودة جيدة، ثم يترك أربع ساعات مدثراً جيداً وبعض الناس يغرز في وسطه قصب الشهدانج ويدثر فوق ذلك الدثار بشيء ثقيل، ثم يخبز بعد اختماره بغير إفراط، ويطبخ بنار لينة طبخاً معتدلاً في ظاهره وداخله وباطنه.
ويضيف ابن العوام الإشبيلي إلى هذه الطريقة قوله:" اعجنوا الدقيق بماء الدقيق وبماء الخمير فإنه يكون أكثر غذاء من سائر أصناف الخبز ..".
ولضرورة حفظ صحة الإنسان من الضرر ينهى ابن العوام عن استعمال أنواع من الآنية الغير صالحة لعمل الخبز والمعجنات فيقول:" اجتنبوا العجين بماء قد بات في أواني الرصاص فإن ذلك يضر بالمعدة".
كما يذكر ابن العوام طريقة خاصة في كيفية عمل المعجنات فيقول:" يعجن له بماء الخمير، وكان في ماء الخمير نقيع الزبيب، ويخلط له في العجين دهن اللوز والربت فيجيء خبزاً لا يكون ألذ منه ولا أطيب ..".
وتطرق العلماء العرب إلى صناعة أنواعاً مختلفة من المعجنات التي تصنع بمزجها مع محاصيل وبقول زراعية متنوعة، و كذلك خلطها مع المكسرات والموالح المختلفة كالجوز واللوز وغيرها، إذ شرحوا طرقاً جديدة في تجفيفها طبيعياً وصنعياً، ثم طرائق طحنها وعجنها، وأخيراً خبزها.
ج ـ صناعة الرُب:
الرُب وجمعها رباب وربوب: وهو سلافة خثارة كل ثمرة بعد اعتصارها وطبخها، أو هو كل ثمار تطبخ بالسكر (مصطفى الشهابي، معجم الألفاظ الزراعية، 178). وهي على أنواع منه: رب الجوز، ورب السفرجل، ورب التفاح، ورب التوت، ورب العنب وغيره، ويعرف اليوم بصناعة المربيات.
وقد تناول العلماء العرب في الأندلس طرق عديدة في صناعة المربيات والعصائر المختلفة، بعضها اندثرت صناعته اليوم، والبعض الآخر مازال يصنع، فنرى ابن العوام الإشبيلي في كتابه الفلاحة الأندلسية يشرح طرقاً متعددة في صناعة دبس التمر والعنب، وأنواع مربى العنب ومشتقاته، ويخصص فقرة مطولة لعمل عسل صناعي من عصير العنب فيقول:" يطبخ عصير العنب الحلو حتى يصير إلى النصف، ثم يبرد في إجانة جديدة، ويلقى عليه كفاً من دقيق، ويضرب معه بعجل ضرباً شديدأ بلا فتور حتى يغيب فيه ذلك الدقيق، ثم يحول إلى إجانة أخرى ويجعل فيه دقيق ويضرب معه بلا فتور حتى يغيب، ويعاد على الطبخ برفق ولا يغفل عن ضربه ليلاً، ينزل الدقيق إلى أسفله وتؤخذ رغوته ولا يغفل بوجه عن ضربه، ويتمادى على طبخه وضربه حتى يذهب نصفه ثم يصير في آنية، ويخزن فيها وقد صار مثل العسل من أجود ما يكون ".
ويشمل كتاب الفلاحة لابن بصال نوعين من الصناعات: الأول: صناعة شمامات حسان، والثاني: صناعة معنب أو معشب وهما أجل ما ذكر، فصناعة الشمامات تتألف من سبع خطوات عملية منها خطوة إدامة الاستمتاع بالنوار، أما صناعة المعنب فالعناب هو طعام يؤتدم به مكونه الخردل والزبيب، وهذه الصناعة مؤلفة من سبع مراحل للحصول على عصير ذي قيمة غذائية عالية، ويؤكد ابن بصال بأن هذا العصير صحيح مجرب.
أما ابن مالك الغرناطي فينتقد في فصل خاص بكتابه الفلاحة الأندلسية طريقة صناعة الرب عند عامة الفلاحين، إذ يتناول طريقة خاصة في صناعة الرب وخاصة رب العنب فيقول:" كثير من عامة الفلاحين ينتحلون طبخ الرب، فيأتي كدراً كثيراً الرائحة غير مستلذ الطعم، ولا يعلمون من أين دخلت عليهم الداخلة، فمن عزم على طبخ الرُب فيعمد على أحلى ما يكون أن يؤخذ من عصير العنب، فيوضع في أواني الفخار، ويترك يوماً وليلة، وإذا كان بالغد أخذت بُرَام النحاس، وإن قُدر على بُرَام الفخار كان أطيب لطعمه (لأن الأواني الفخارية لا تؤدي إلى إحداث تفاعلات كيميائية)، فوضعت على النار، وأخذ الصفو من ذلك العصير، وألقي لكل ثلاثة أرطال رطل واحد من الماء الصافي، وطلب بالنار أولاً برفق حتى ترتفع أثفاله، ويُوالى إخراجها بالمغرف المثقب لإخراج الرغوة، فإذا فنيت رغوته، قُوِي ناره حتى يأتي في قوام الجلاب (هو ماء نقع فيه العنب اليابس)، وإن كان العنب قليل العسلية مثل عنب العرائش، أو عنب الكروم المحرثة، فإنه ينقص منه أكثر من الربع، وبالجملة أحسن ما أخذ فيه أن يطبخ حتى يصير في قوام الجلاب المحكم العقد ".
ح ـ طرائق حفظ الثمار وصناعتها:
حاول العلماء العرب في الأندلس أن يحفظوا قسماً من المواد الغذائية في الموسم الذي تكثر فيه، إلى مواسم أخرى تكون مفقودة فيها أو شحيحة، فجربوا تجفيف الخضر وبعض الفاكهة كالتين والرمان والمشمش والعنب وغيرها تحت أشعة الشمس والهواء، كما ابتكروا وأبدعوا طرائق جديدة لحفظها وتصنيعها باستعمال الملح والخل والسكر وغير ذلك من المواد.
فقد تناول ابن العوام الإشبيلي طريقة خاصة في تصنيع بعض الفاكهة كالعنب والتين فقال:" تقطف العنب للتزبيب إذا تناهى نضجه وحلاوته ولم يبق فيه مرارة ولا حموضة، لأنه إن لم يكن كذلك جاء زبيبه خفيفاً في الوزن قليل الحلاوة، وكذلك التين ". وتحدث ابن العوام عن طريقة تصنيع الكمثرى فقال بأن:" يقطع الكمثرى صفائح رقاق ويقدروه وييبسوه ويأكلوه في الربيع والشتاء بعد أن يطبخوه ولا سيما إذا أصابهم الجهد، والمستعمل إنما يستعمله على أنه طعام قليل الغذاء".
أما ابن الحجاج الإشبيلي فتحدث عن طرق حفظ الفواكه فقال:" أما التفاح والرمان والسفرجل والكمثرى والأترج والعنب، فإن عملت لها أسفاطاً ( جمع سفط وهو الوعاء) من طين، وشققت كل سفط بنصفين، وطبختها حتى تصير فخاراً، ثم جعلت بين كل قطعتين أياً كان من الفاكهة في شجرها وربطتهما والفاكهة بينهما وطينتهما بجص بقيت الفاكهة بذلك بثمرها غضة طرية، وينبغي لك أن تربطها إلى الأغصان لئلا تصطك، وليس يضرها مع هذا مطر ولا برد ولا طير ..".
وتناول ابن الحجاج الطريقة التي تحفظ العنب وتبقيه طرياً. كما أبدع في شرح تصنيع العنب بطرق مختلفة لصناعة أنواع من الزبيب فقال:" انظر إلى عنب الجفان الفاخرة فألو عناقيدها ليلتين أو ثلاثاً حتى لا تشرب من ماء الجفنة شيئاً، وذلك بعدما تطيب طعماً واتركها في الجفنة حتى تجف، فهذا زبيب فاخر للأكل. وإن أردت رفعه فخذها عنقوداً واجعلها في الكيزان والجرار، واجعل تحتها يابساً من ورق الدوالي وفوقها مثل ذلك، وطين عليها وارفعها في بيت بارد لا يدخله دخان فإنه يبقى كذلك. واحفظها أيضاً من النداء".
وكذلك ابتكر ابن الحجاج طريقة خاصة لصناعة زبيب لا ييبس فقال:" خذ من العنب أي صنف شئت، واغل رماداً بماء غليات، ثم انقع العناقيد فيه والماء الحار، ثم اخرجها وانشرها برفق، فإنه يكون زبيباً لذيذاً ".
وشرح ابن الحجاج طرقة صناعة زبيب ذو لون أزرق فقال:" خذ العنب الأبيض فاغل له رماداً وقشر رمان، وانقع العناقيد وانشرها برفق، فإنه يصير أزرق". كما حدد ابن الحجاج أفضل الأماكن لنشر الزبيب وهي الأرض الحمراء.
أما ابن مالك الغرناطي فخصص عدة فصول في كتابه زهرة البستان للحديث عن طرق صناعة زبيب العنب الشمسي، وزبيب الأغشية. كما شرح طرقاً عديدة لحفظ وتصنيع بعض الفاكهة مثل: التين، والإجاص الدمشقي الذي يسميه العنبقر، والإنجاص الذي يسميه الكمثرى، وحب الملوك الذي يسمى القراصيا، والعناب، والرمان، والأترج. وكذلك شرح ابن مالك طرقاً خاصة لتصنيع بعض الخضر والأواني والمواد اللازمة لحفظها مثل: حفظ الباذنجان وادخاره، وطبخ اللفت والجزر فلا يتغير منه شيء.
5ـ خاتمة:
من خلال ما تقدم يمكن استنتاج الآتي:
ـ إن معالجة العلماء العرب في الأندلس لموضوع صناعة الطعام والأغذية وفوائدها الصحية وطبيعة الغذاء لكل موسم ولكل فرد كان في غاية الدقة. كما أن اهتمامهم بالفلاحة ووسائلها وطرق الزراعة والري حسب طبيعة المزروع وطبيعة الأرض المزروعة وتقلبات المناخ كان له الأثر الكبير في تقدم الزراعة التي كانت أحد دعائم الحضارة العربية الإسلامية الزاهرة.
ـ أدرك العلماء والمختصون العرب في الأندلس أهمية الصناعات الغذائية فانكبوا على دراستها وقاموا بتأليف الكتب بأنواعها ضمن أسس منهجية علمية أصيلة.
ـ بالرغم من تحقيق بعض المخطوطات في مجال التراث الزراعي العربي إلا أنه لا يزال هناك العديد منها لم يتم تحقيقها وتصنيفها وفهرستها ضمن المنهج العلمي الأصيل.
وفي ضوء هذه الاستنتاجات الواردة أعلاه نقترح بعض التوصيات الآتية:
ـ أن يقوم معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب وبالتعاون مع الجهات المختصة ذات العلاقة في هذا المجال بتحقيق ونشر كتب ومخطوطات التراث المتعلقة بالصناعات الزراعية عامة والصناعات الغذائية خاصة. وكذلك توثيق سير العلماء العرب وإبراز دورهم في هذا المجال بكافة الوسائل المتاحة.
ـ تبادل المعلومات للمختصين والخبراء في مجال الصناعات الغذائية وعقد ندوات علمية مختصة لها صلة بالتراث العلمي العربي.
ـ توحيد المصطلحات والمفردات الواردة في المؤلفات الزراعية العربية في مجال الصناعات الغذائية وإصدار معجم متخصص بهذا المجال.
لقي علم الزراعة اهتماماً خاصاً عند علماء وأهل الأندلس لإيمانهم القوي بأن الإنتاج الزراعي الوفير لا يمكن إحرازه دون إدخال الأساليب العلمية في الزراعة. ولذا فقد وضع العلماء العرب أمثال: ابن بصال وابن الحجاج الإشبيلي وابن مالك الغرناطي وابن العوام وغيرهم العديد من الكتب والموسوعات والتصانيف الزراعية، دَونوا فيها الكثير من المعرفة والخبرة في العلوم الزراعية، وعندما اتبعت الأساليب العلمية في الزراعة في عصر الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس أصبحت الأمة تنتج ما تحتاجه من الغذاء بل ويزيد.
وحيث أن العلماء والمختصين العرب أسهموا مساهمة فعالة في تطوير الصناعات الغذائية في الأندلس، ونظرا لحاجتنا الماسة في الوقت الحاضر لمعرفة ما توصلوا إليه للاستفادة منه وللاستناد عليه في استنباط الطرائق والوسائل الفعالة للصناعات الغذائية من خلال الدراسات والأبحاث العلمية التي تجري في مؤسسات البحث العلمي في وطننا العربي.
2ـ هدف البحث:
يهدف البحث إلى إلقاء الضوء على تطور العلوم العربية في مجال الصناعات الغذائية في الأندلس. وإبراز أهمية مؤلفات الفلاحة العربية الأندلسية للاستفادة من التجارب العلمية التي حواها التراث الزراعي العربي الأندلسي وتحقيقها بشكل علمي وتوظيفها في الوقت الحاضر.
3ـ المؤلفات الزراعية العربية في الأندلس:
قام العرب بإدخال زراعة الكثير من المحاصيل الزراعية إلى الأندلس مثل: الزيتون والأرز والقطن وقصب السكر والنخيل والرمان والنارنج والمشمش والخوخ والكروم والبرتقال والخشخاش والشوندر وغيرها.
وإن ما فعله العرب في الميدان الزراعي قد تخلد إلى الأبد لأنه خلف آثاراً لا تمحى في لغة الأسبان وغيرها من اللغات الأوربية، وإن الكثير من المحاصيل الزراعية لا تزال تحمل الأسماء العربية نفسها في هذه اللغات مع شيء لا يخفى من التحريف والتصحيف.
لقد استطاع العرب أن يحولوا الأندلس إلى جنة خضراء. فلم يتركوا شبراً واحداً دون أن يزرعوه مستخدمين لذلك ما يعرف اليوم بوسائل الهندسة الزراعية، وبطرق علمية في الري، واستعمال جيد لأنواع الأسمدة لزيادة إنتاجية الأرض، وأنتجوا أنواع جديدة من الفواكه والأزهار، ومارسوا الدورة الزراعية بدقة فائقة، ووضعوا تقويماً ودستوراً زراعياً خاصاً سمي "التقويم القرطبي"، وأبدعوا في طرق تطعيم النباتات، وغيرها من العمليات الزراعية المختلفة.
وقد حظيت العلوم الزراعية بعناية فائقة من قبل علماء الزراعة في الأندلس حتى بلغت في هذا المجال حداً من الكمال لم تبلغه في أماكن أخرى، فأقيمت البساتين والحدائق التي كان يشرف عليها هؤلاء العلماء فكانت بمثابة مختبرات فيها تجرى تجاربهم، وكان العرب يستعينون بأحدث ما ألف من الكتب في العلوم الزراعية، وبفضل توجههم بلغت الزراعة في الأندلس من التقدم أكثر مما بلغته في أوربا، بل إن أوربا اقتبست الأسس العلمية للتجارب الزراعية التي توصل إليها العرب في الأندلس. وما زالت العديد من المشاريع الزراعية الضخمة شاخصة آثارها إلى يومنا هذا، تلك الآثار التي أنشأها العرب في مختلف بقاع الأندلس.
واهتم العلماء العرب في الأندلس وخاصة خلال ازدهار الحضارة العربية الإسلامية اهتماماً كبيراً بالصناعات الزراعية والغذائية وألفت العديد من المؤلفات، وكتب الكثير من المخطوطات التي تتعلق بالزراعة والغذاء وصناعة الطعام وفوائده الصحية. وقد حقق عدد من هذه الكتب والمخطوطات إلا أن الكثير منها لم يحقق ولم ينشر حتى الآن بدراسة علمية منهجية. ومن أهم هذه المؤلفات نذكر:
ـ كتاب الفلاحة لابن بصال الطليطلي (القرن الخامس الهجري).
ـ كتاب المقنع في الفلاحة لابن الحجاج الإشبيلي (القرن الخامس الهجري).
ـ كتاب زهرة البستان ونزهة الأذهان لمحمد بن مالك الغرناطي (القرن الخامس الهجري).
ـ كتاب الفلاحة الأندلسية لابن العوام الإشبيلي (القرن السادس الهجري).
4ـ بعض الصناعات الغذائية في الأندلس:
كان للتطور الحضاري في الأندلس الأثر البارز في نمو الصناعات الغذائية وتنوعها فضلاً عن استخداماتها المختلفة. الأمر الذي يعني أن العرب في الأندلس كانت لهم الخبرة التجريبية الواسعة في هذا المجال.
وقد تناول علماء الزراعة في الأندلس الصناعات الغذائية وطرق عملها وأساليب اتخاذها والأدوات والآلات التي تستعمل في هذه الصناعات.
أ ـ صناعة الزيتون وزيته:
عمل العرب على إدخال زراعة الزيتون إلى الأندلس مع بداية الفتوحات العربية الإسلامية. وانتشرت أشجار الزيتون بكثرة على مساحات واسعة. واليوم تتنافس أسبانية على صدارة إنتاج الزيتون واستخراج زيته في العالم.
وقد تناول العلماء العرب الزيتون في مؤلفاتهم وتحدثوا عن استخدامه بصناعات غذائية كثيرة، إذ تناول ابن الحجاج الإشبيلي عدة طرق لصناعة زيتون الطعام في كتابه المقنع في الفلاحة منها قوله:" خذ زيتوناً طيباً من زيتون قد قطف بالأيدي فرضه بالعود وضعه في إناء وصب عليه ماء حاراً وملحاً جريشاً وغط الإناء بورق البسباس (ورق جوزة الطيب، وهو ورق أشقر حاد الرائحة حريف عطري) أياماً، ثم انثر عليه كموناً وملحاً ".
كما يخصص ابن الحجاج فقرة للحديث عن طريقة مميزة لإصلاح حبات الزيتون للأكل خلال ستة أيام فقط.
أما في مجال استخراج الزيت من حبات الزيتون فيقول ابن الحجاج:" اِجنه قبل شدة البرد إذا بلغت السواد ـ فيكون أكثر لزيتها وأحسن لدمنتها. وذلك في يوم مصح ـ اجتناء رقيقاً باليد لا بالعصا. ولا تلقط منها إلا ما يعمل يوماً بيوم، فإنه أجود لزيته. دنقِ ورقه وعيدانه، ولا تجعل بعضه على بعض فيفسد، بل أبسطه. إذا كان بالعشي فضع على ما لقطت منه ملحاً نقياً، ثم اطحنه من الغد طحناً لا تكسر من عجمه شيئاً.
ومن الناس من يبني بعضه على بعض بغصون الصفصاف، ويلف عليه حبلاً ثم يكسبه باليد فيخرج الزيت النقي الصافي فيرفع في وعاء نظيف. وينبغي أن يلقي عليه شيء من ملح مدقوق، ويحرك به فإنه يرقه ويصفيه، ثم بعد ذلك يرفع في إناء آخر، وهذا على ما كان، وهو المعروف بزيت الانفاق.
ثم تطحن الثاني طحناً شديداً ويعصر فيخرج زيت أغلظ من الأول، ثم اطحنه الثالثة وألق عليه ماء حاراً، وارفعه ثلاثين يوماً في إناء، ثم انقله إلى إناء آخر فإنك تخرج زيتاً صافياً أجود من زيت العامة ".
ويذكر ابن حجاج طرقاً خاصة لتصفية الزيت المعكر أي حفظ وسلامة زيت الزيتون ومنع فساده وتلفه فيقول:" وكل دهن يغلى بالنار ويطرح فيه ملح مقلو يسلم بذلك من المضاضة (الحموضة والملوحة) وإن جعلت قبضة كمون في خرقة ودليتها في الزيت الذي قد فسد ثلاثة أيام طاب لذلك. أو خذ كزبرة رطبة فيبسها في الظل ثم اجعلها في قلة المنتن ستة أيام فإن نتنه يذهب".
ويتناول ابن مالك الغرناطي في كتابه زهرة البستان صناعة أنواع مختلفة لزيتون الطعام، وهي:
ـ عمل الزيتون المصري.
ـ عمل الزيتون المكسر.
ـ عمل الزيتون المتمر.
ـ عمل زيتون الماء.
ويذكر ابن مالك الغرناطي طريقة خاصة في عمل زيت الزيتون الذي سماه "زيت النقطة" فيقول:" هذا الجنس من أجناس الزيت إذا أخذ من الزيتون الطيب المتناهي الطيب، يأتي حسن القوام، ولا يخرج بماء ولا نار، فمن أحب اتخاذ هذا الزيت، فيأخذ الزيتون الطيب القريب العهد ..".
كما تناول الغرناطي أوقات عمل الزيت وأفضلها، واختيار أواني الزيت، وما يصلح الزيت إذا فسد، وغير ذلك من الأمور.
أما ابن العوام فقد تحدث عن صناعة زيتون الطعام أيضاً فقال:" تخير من حب الزيتون الأخضر الغض أغلظه حباً وأصغره نوى وذلك في شهر أكتوبر، ويجنى من شجرته برفق لئلا يحدث فيه تهشيم ثم يغسل بالماء العذب ويكسر على لوح نظيف أو عود كذلك، وكلما كسر منه جعل في الماء العذب، ويغسل بعد الفراغ منه من ذلك ويجعل في خابية استعملت في زيت طيب، ويصب عليه ماء يغمره من الماء العذب، ويترك أياماً، ثم يراق ذلك الماء ويصب عليه ماء آخر، يكرر ذلك مرات ومن أحب استعجاله أكله إلا أنه لا تطول مدة بقائه فيكرر قصراته بالماء مرات حتى يحلى الزيتون وتزول عنه المرارة والعنوصة، ومن أحب أن تطول مدة بقائه فيقلل قصارته بالماء، وإن حب أن يحلى في مدة يسيرة فيقصره أولاً بماء ساخن وبعد القصارة بالماء بغمره به، ويجعل فيه من الملح مثل نصف عشر كيلة، وذلك جزء من ملح على عشرين جزء من زيتون".
ب ـ صناعة الألبان:
عرف العرب القيمة الغذائية الكامنة في الحليب ومشتقاته فاستخدموه لا في تغذية الأطفال والمرضى والشيوخ وحدهم بل في تغذية الأصحاء كذلك حتى أصبح الحليب ومشتقاته من أهم المصادر الغذائية التي اعتمد عليها الإنسان العربي.
ولقد تنافس العلماء العرب في الاستزادة من ذكره طازجاً أو متخمراً وفي تناول منتجاته رغبة في الاستفادة من مزايا هذا الغذاء الطبيعي الكامل. وكانت نتيجة هذا التنافس تطور شامل في طرق تربية مواشي الحليب واهتمام بالغ بإجراء عمليات الانتخاب لإيجاد سلالات التي تشتهر بكثرة إدرارها اللبن مع ارتقاء وسائل حفظ الحليب وصناعة منتجاته.
تناول ابن سيده في كتابه المخصص مراحل صناعة الحليب ومشتقاته وذكر مسميات كل نوع من الناحية اللغوية.
أما في مجال صناعة الجبن فقد خصص ابن مالك الغرناطي فصلاً كاملاً في كتابه عن ذلك جاء فيه:" الجبن يختلف بقدر المسارح (المواضع)، وجودة العمل، ورداءته، والأجود منه ما عمل في أول شهر ابريل إلى آخر شهر مايه، وما عمل بعد ذلك لا خير فيه، وأجود ما امتثل به، أن تكون أواني العقيد حسنة جداً، نظافاً تتعاهد بالغسل، والأنافح ( المنفحة: المعدة الرابعة في الحيوانات المجترة، وتستخدم في تخثير اللبن، أو هي مستحضر من بطانة معدة بعض الحيوانات، وتحتوي على مادة الرناز المسببة للتجبن) المتخذة من الجدي، أو الخروف، التي لم تخرج إلى المسارح، ولا أكلت نبتاً، ..".
كما يخصص ابن مالك الغرناطي فصلاً آخر في أشياء يعقد بها اللبن إذا عدمت الإنفحة.
ويتحدث ابن مالك الغرناطي بإسهاب كبير في فصل آخر عن كيفية صناعة الزُبد والسمن وإصلاح ما فسد منها، ويذكر أن صناعة الزُبد تتم على طريقتين: الأولى بوساطة القرب، والثانية بوساطة الخوابي. فيقول:" .. فالزبد يخرج من اللبن بالمخَض (مَخْض: تمخيض: هزُ الكثأة طويلاً لتجتمع الكريات السمينة أو الزبدية وتنفصل عن المخيض)، وهو على ضربين فمن الناس من يخضه بالقرب (مازالت هذه الطريقة مستخدمة في بعض الأرياف)، فإنه تملأ به القرب وتترك ثلاثة أيام حتى تريبَ (التريب: تغليظ القوام بتبخيره أو بتجريده من بعض السائل) ويعلوه الزبد، ثم تُخَض القربَ حتى يتعقد فيها الزبد ويظهر، .. والمخض في الخوابي أكثر إفادة، وأقل مؤنة..".
ويتناول ابن مالك الغرناطي كيفية صناعة السمن فيقول:" وأما السمن فيؤخذ الزبد ويطبخ، ويصفى في الأواني التي يراد رفعها فيها، ويستوثق من أفواهها، فإذا كان الزبد طرياً، أتى السمن حسن القوام، جيد الطعم ..".
ت ـ صناعة الخل والمخللات:
يخصص ابن مالك الغرناطي فصلاً كاملاً في صنعة خل العنب، وقد نقل ابن العوام هذا الفصل إلى كتابه الفلاحة الأندلسية، فيقول ابن مالك:" الخل الطيب الحسن الطعم، لا يتفق بوجه إلا من العنب الحلو الشديد الحلاوة، وسائر أنواع العنب يتفق منها خل حاذق، غير أنه يأتي طعمه مائلاً إلى العفوصة والحروشة. وأما خل العنب الطيب، فيأتي حسن الحموضة حسن الرائحة والطعم واللون، فمن أراد على هذه الصفة نثر العنب من عرجونه (العرجُون: أصل العذق الذي يعوج ويُقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً)، وصيره حباً، ورمى به في الخوابي، ويرزم فيها باليد، ويتفقد بعد خمسة عشر يوماً أو عشرين يوماً، ثم يخرج ويصفى من عَجَمِهِ، (عجمة: نواة القسم الداخلي من الثمرة صَلُبَ وقسا وحوى البزرة)، ويدرس حبه، ثم يؤخذ ما سال منه ويجعل في الخابية، ..".
كما تناول ابن مالك الغرناطي طرقاً عديدة لتخليل بعض المحاصيل الزراعية منها: الزيتون واللفت والباذنجان والجزر، وأشار إلى أفضل الصفات المطلوبة لذلك.
أما ابن الحجاج الإشبيلي فنراه يذكر طريقة خاصة في صنعة الخل لا يكون أحمض منه، ويتطرق إلى صناعة الخل من الخمر، وكذلك طريقة حفظ الخل من الفساد والتلف فيقول:" خذ عنباً بعناقيده واجعله في خابية مقيرة قدر ثلثها، ثم املأها ماء عذباً وطين رأسها واطلعها في كل شهر مرة لتعرف حالها، .. وإن أردت أن تصنع من الخمر خلاً فخذ أصول السلق وقطعه صغاراً وألقه في الخمر، واتركه ثلاثة أيام، فإنه يصير خلاً، .. ومما يحفظ الخل فلا يفسد ولا ينتن: أن تأخذ ورق الكرم فتعلقه في الخابية التي فيها الخل، ولا يصيب الورق الخل، فإن رائحته تطيب ".
ويشرح ابن الحجاج طريقة جديدة لاكتساب الخل رائحة زكية طيبة فيقول:" وإن أخذت حب الآس النضيج المنقى من الورق ووضعته في الظل حتى يضمر ويصير كالزبيب، ثم تلقيه في الخل، طابت رائحته جداً ".
كما يتحدث ابن الحجاج عن طريقة صناعة الزيتون المخلل بقوله:" ألقط الزيتون واغسله ونشفه، وخذ إناء فألق فيه كفاً من ملح مقلو، وألق الزيتون فوقه، وألق عليه خلاً وملحاً وطين عليه". ويذكر ابن الحجاج طريقة خاصة لعمل زيتون بخل وعسل ذو رائحة طيبة وطعم لذيذ.
ث ـ صناعة الخبز والمعجنات:
تطرق العلماء العرب في الأندلس إلى طرق عديدة في صنعة الخبز والمعجنات المختلفة، وأشاروا بأن مما يعين على جودة الخبز في نضجه وفي الاغتذاء به أن يدلك طحين الدقيق وقت عجنه بالراحتين دلكاً كثيراً متتابعاً، ثم يعرك مع يسير من الماء عركاً كثيراً ويسقى بالماء قليلاً قليلاً حتى إذا تم عجنه فتلقى عليه الخميرة مقطعة قطعاً صغاراً، ثم يستأنف العجان دلكه وعركه وجودة خلطه، ويبتدىء بعجنه كأنه ما كان عجنه، فلا يزال يديم عجنه ويقلبه مراراً حتى يجود اختلاطه جودة جيدة، ثم يترك أربع ساعات مدثراً جيداً وبعض الناس يغرز في وسطه قصب الشهدانج ويدثر فوق ذلك الدثار بشيء ثقيل، ثم يخبز بعد اختماره بغير إفراط، ويطبخ بنار لينة طبخاً معتدلاً في ظاهره وداخله وباطنه.
ويضيف ابن العوام الإشبيلي إلى هذه الطريقة قوله:" اعجنوا الدقيق بماء الدقيق وبماء الخمير فإنه يكون أكثر غذاء من سائر أصناف الخبز ..".
ولضرورة حفظ صحة الإنسان من الضرر ينهى ابن العوام عن استعمال أنواع من الآنية الغير صالحة لعمل الخبز والمعجنات فيقول:" اجتنبوا العجين بماء قد بات في أواني الرصاص فإن ذلك يضر بالمعدة".
كما يذكر ابن العوام طريقة خاصة في كيفية عمل المعجنات فيقول:" يعجن له بماء الخمير، وكان في ماء الخمير نقيع الزبيب، ويخلط له في العجين دهن اللوز والربت فيجيء خبزاً لا يكون ألذ منه ولا أطيب ..".
وتطرق العلماء العرب إلى صناعة أنواعاً مختلفة من المعجنات التي تصنع بمزجها مع محاصيل وبقول زراعية متنوعة، و كذلك خلطها مع المكسرات والموالح المختلفة كالجوز واللوز وغيرها، إذ شرحوا طرقاً جديدة في تجفيفها طبيعياً وصنعياً، ثم طرائق طحنها وعجنها، وأخيراً خبزها.
ج ـ صناعة الرُب:
الرُب وجمعها رباب وربوب: وهو سلافة خثارة كل ثمرة بعد اعتصارها وطبخها، أو هو كل ثمار تطبخ بالسكر (مصطفى الشهابي، معجم الألفاظ الزراعية، 178). وهي على أنواع منه: رب الجوز، ورب السفرجل، ورب التفاح، ورب التوت، ورب العنب وغيره، ويعرف اليوم بصناعة المربيات.
وقد تناول العلماء العرب في الأندلس طرق عديدة في صناعة المربيات والعصائر المختلفة، بعضها اندثرت صناعته اليوم، والبعض الآخر مازال يصنع، فنرى ابن العوام الإشبيلي في كتابه الفلاحة الأندلسية يشرح طرقاً متعددة في صناعة دبس التمر والعنب، وأنواع مربى العنب ومشتقاته، ويخصص فقرة مطولة لعمل عسل صناعي من عصير العنب فيقول:" يطبخ عصير العنب الحلو حتى يصير إلى النصف، ثم يبرد في إجانة جديدة، ويلقى عليه كفاً من دقيق، ويضرب معه بعجل ضرباً شديدأ بلا فتور حتى يغيب فيه ذلك الدقيق، ثم يحول إلى إجانة أخرى ويجعل فيه دقيق ويضرب معه بلا فتور حتى يغيب، ويعاد على الطبخ برفق ولا يغفل عن ضربه ليلاً، ينزل الدقيق إلى أسفله وتؤخذ رغوته ولا يغفل بوجه عن ضربه، ويتمادى على طبخه وضربه حتى يذهب نصفه ثم يصير في آنية، ويخزن فيها وقد صار مثل العسل من أجود ما يكون ".
ويشمل كتاب الفلاحة لابن بصال نوعين من الصناعات: الأول: صناعة شمامات حسان، والثاني: صناعة معنب أو معشب وهما أجل ما ذكر، فصناعة الشمامات تتألف من سبع خطوات عملية منها خطوة إدامة الاستمتاع بالنوار، أما صناعة المعنب فالعناب هو طعام يؤتدم به مكونه الخردل والزبيب، وهذه الصناعة مؤلفة من سبع مراحل للحصول على عصير ذي قيمة غذائية عالية، ويؤكد ابن بصال بأن هذا العصير صحيح مجرب.
أما ابن مالك الغرناطي فينتقد في فصل خاص بكتابه الفلاحة الأندلسية طريقة صناعة الرب عند عامة الفلاحين، إذ يتناول طريقة خاصة في صناعة الرب وخاصة رب العنب فيقول:" كثير من عامة الفلاحين ينتحلون طبخ الرب، فيأتي كدراً كثيراً الرائحة غير مستلذ الطعم، ولا يعلمون من أين دخلت عليهم الداخلة، فمن عزم على طبخ الرُب فيعمد على أحلى ما يكون أن يؤخذ من عصير العنب، فيوضع في أواني الفخار، ويترك يوماً وليلة، وإذا كان بالغد أخذت بُرَام النحاس، وإن قُدر على بُرَام الفخار كان أطيب لطعمه (لأن الأواني الفخارية لا تؤدي إلى إحداث تفاعلات كيميائية)، فوضعت على النار، وأخذ الصفو من ذلك العصير، وألقي لكل ثلاثة أرطال رطل واحد من الماء الصافي، وطلب بالنار أولاً برفق حتى ترتفع أثفاله، ويُوالى إخراجها بالمغرف المثقب لإخراج الرغوة، فإذا فنيت رغوته، قُوِي ناره حتى يأتي في قوام الجلاب (هو ماء نقع فيه العنب اليابس)، وإن كان العنب قليل العسلية مثل عنب العرائش، أو عنب الكروم المحرثة، فإنه ينقص منه أكثر من الربع، وبالجملة أحسن ما أخذ فيه أن يطبخ حتى يصير في قوام الجلاب المحكم العقد ".
ح ـ طرائق حفظ الثمار وصناعتها:
حاول العلماء العرب في الأندلس أن يحفظوا قسماً من المواد الغذائية في الموسم الذي تكثر فيه، إلى مواسم أخرى تكون مفقودة فيها أو شحيحة، فجربوا تجفيف الخضر وبعض الفاكهة كالتين والرمان والمشمش والعنب وغيرها تحت أشعة الشمس والهواء، كما ابتكروا وأبدعوا طرائق جديدة لحفظها وتصنيعها باستعمال الملح والخل والسكر وغير ذلك من المواد.
فقد تناول ابن العوام الإشبيلي طريقة خاصة في تصنيع بعض الفاكهة كالعنب والتين فقال:" تقطف العنب للتزبيب إذا تناهى نضجه وحلاوته ولم يبق فيه مرارة ولا حموضة، لأنه إن لم يكن كذلك جاء زبيبه خفيفاً في الوزن قليل الحلاوة، وكذلك التين ". وتحدث ابن العوام عن طريقة تصنيع الكمثرى فقال بأن:" يقطع الكمثرى صفائح رقاق ويقدروه وييبسوه ويأكلوه في الربيع والشتاء بعد أن يطبخوه ولا سيما إذا أصابهم الجهد، والمستعمل إنما يستعمله على أنه طعام قليل الغذاء".
أما ابن الحجاج الإشبيلي فتحدث عن طرق حفظ الفواكه فقال:" أما التفاح والرمان والسفرجل والكمثرى والأترج والعنب، فإن عملت لها أسفاطاً ( جمع سفط وهو الوعاء) من طين، وشققت كل سفط بنصفين، وطبختها حتى تصير فخاراً، ثم جعلت بين كل قطعتين أياً كان من الفاكهة في شجرها وربطتهما والفاكهة بينهما وطينتهما بجص بقيت الفاكهة بذلك بثمرها غضة طرية، وينبغي لك أن تربطها إلى الأغصان لئلا تصطك، وليس يضرها مع هذا مطر ولا برد ولا طير ..".
وتناول ابن الحجاج الطريقة التي تحفظ العنب وتبقيه طرياً. كما أبدع في شرح تصنيع العنب بطرق مختلفة لصناعة أنواع من الزبيب فقال:" انظر إلى عنب الجفان الفاخرة فألو عناقيدها ليلتين أو ثلاثاً حتى لا تشرب من ماء الجفنة شيئاً، وذلك بعدما تطيب طعماً واتركها في الجفنة حتى تجف، فهذا زبيب فاخر للأكل. وإن أردت رفعه فخذها عنقوداً واجعلها في الكيزان والجرار، واجعل تحتها يابساً من ورق الدوالي وفوقها مثل ذلك، وطين عليها وارفعها في بيت بارد لا يدخله دخان فإنه يبقى كذلك. واحفظها أيضاً من النداء".
وكذلك ابتكر ابن الحجاج طريقة خاصة لصناعة زبيب لا ييبس فقال:" خذ من العنب أي صنف شئت، واغل رماداً بماء غليات، ثم انقع العناقيد فيه والماء الحار، ثم اخرجها وانشرها برفق، فإنه يكون زبيباً لذيذاً ".
وشرح ابن الحجاج طرقة صناعة زبيب ذو لون أزرق فقال:" خذ العنب الأبيض فاغل له رماداً وقشر رمان، وانقع العناقيد وانشرها برفق، فإنه يصير أزرق". كما حدد ابن الحجاج أفضل الأماكن لنشر الزبيب وهي الأرض الحمراء.
أما ابن مالك الغرناطي فخصص عدة فصول في كتابه زهرة البستان للحديث عن طرق صناعة زبيب العنب الشمسي، وزبيب الأغشية. كما شرح طرقاً عديدة لحفظ وتصنيع بعض الفاكهة مثل: التين، والإجاص الدمشقي الذي يسميه العنبقر، والإنجاص الذي يسميه الكمثرى، وحب الملوك الذي يسمى القراصيا، والعناب، والرمان، والأترج. وكذلك شرح ابن مالك طرقاً خاصة لتصنيع بعض الخضر والأواني والمواد اللازمة لحفظها مثل: حفظ الباذنجان وادخاره، وطبخ اللفت والجزر فلا يتغير منه شيء.
5ـ خاتمة:
من خلال ما تقدم يمكن استنتاج الآتي:
ـ إن معالجة العلماء العرب في الأندلس لموضوع صناعة الطعام والأغذية وفوائدها الصحية وطبيعة الغذاء لكل موسم ولكل فرد كان في غاية الدقة. كما أن اهتمامهم بالفلاحة ووسائلها وطرق الزراعة والري حسب طبيعة المزروع وطبيعة الأرض المزروعة وتقلبات المناخ كان له الأثر الكبير في تقدم الزراعة التي كانت أحد دعائم الحضارة العربية الإسلامية الزاهرة.
ـ أدرك العلماء والمختصون العرب في الأندلس أهمية الصناعات الغذائية فانكبوا على دراستها وقاموا بتأليف الكتب بأنواعها ضمن أسس منهجية علمية أصيلة.
ـ بالرغم من تحقيق بعض المخطوطات في مجال التراث الزراعي العربي إلا أنه لا يزال هناك العديد منها لم يتم تحقيقها وتصنيفها وفهرستها ضمن المنهج العلمي الأصيل.
وفي ضوء هذه الاستنتاجات الواردة أعلاه نقترح بعض التوصيات الآتية:
ـ أن يقوم معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب وبالتعاون مع الجهات المختصة ذات العلاقة في هذا المجال بتحقيق ونشر كتب ومخطوطات التراث المتعلقة بالصناعات الزراعية عامة والصناعات الغذائية خاصة. وكذلك توثيق سير العلماء العرب وإبراز دورهم في هذا المجال بكافة الوسائل المتاحة.
ـ تبادل المعلومات للمختصين والخبراء في مجال الصناعات الغذائية وعقد ندوات علمية مختصة لها صلة بالتراث العلمي العربي.
ـ توحيد المصطلحات والمفردات الواردة في المؤلفات الزراعية العربية في مجال الصناعات الغذائية وإصدار معجم متخصص بهذا المجال.





